أبي طالب المكي
239
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ويقال لما تحت الأظافر من الوسخ الأف ، وهو الذي يقال أف وتف ، فالأف وسخ الظفر ، والتف وسخ الأذن . وقيل : بل التف كلمة اتباع للمبالغة في التأذي بالقذر المؤذي ، ومن ذلك قولهم في الاتباع جائع نائع وعطشان نطشان ولا أثر له ولا عنبر . وقيل من هذا قول الله تعالى : * ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) * [ الإسراء : 23 ] . أي لا تعبهما بما تحت الظفر من الوسخ . وقيل : لا تؤذهما تأذيك بما تحت ظفرك من الأذى أو لا تؤذهما بمقدار ذلك . ذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع المحدثة قد ذكر في بعض الأخبار : أنّ لله تعالى ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى . ويقال : إنّ اللحية من تمام خلق الرجل وبها تميّز الرجال من النساء في ظاهر الخلق . في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان كثّ اللحية . وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية دقيقها ، وكان علي رضي الله تعالى عنه عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه . ويقال : إنّ أهل الجنة مرد إلا هارون أخا موسى عليهما السلام فإن له لحية إلى صدره تخصيصا له وتفضيلا . ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس قال : وددنا أنا اشترينا للأحنف اللحية بعشرين ألفا فلم يذكر حنفه في رجله ولا عورة في عينه وذكر كراهية عدم لحيته وكان عاقلا حليما . وقد روينا من غريب تأويل قوله تعالى : * ( يَزِيدُ في الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) * [ فاطر : 1 ] . قال اللحى وفيه وجوه كثيرة . وذكر عن شريح القاضي قال : وددت لو أنّ لي لحية بعشرة آلاف . وقال بعض الأدباء في اللحية خصال نافعة منها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار ، ومنها رفعه في المجالس والإقبال عليه ، ومنها تقديمه على الجماعة وتعقيله وفيها وقاية للعرض ، يعني إذا أرادوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه . وقال أبو يوسف القاضي : من عظمت لحيته جلت معرفته . ففي اللحية من خفايا الهوى ودقائق آفات النفوس . ومن البدع المحدثة اثنتا عشرة خصلة بعضها أعظم من بعض وكلَّها مكروهة ، قد كنا أجملنا ذلك عددا في باب آفات النفوس . فأما تفسيره فإن من ذلك خضابها بالسواد لأجل الهوى وتدليس الشيبة ، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبيها بالصالحين والقراء من السنّة ، وتبييضها بالكبريت وغيره استعجالا لإظهار علو السنّ وستر الحداثة لأجل الرئاسة والتعظيم ليشهد عند الحكام أو لينفق بذلك حديثه ويدعي بالسنّ مشاهدة من لم يره . فعل ذلك بعض المحدثين وبعض الشهود ، ومن ذلك نتفها أو نتف الشيب منها تغطية للتكهل ، ومنها تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين والتصنع ، ومن ذلك النقصان منها والزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وذلك هو حدّ اللحية ، أو ينقص من العظمين إلى